الشوكاني

275

فتح القدير

ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحرث فكان هذا شركا في التسمية ولم يكن شركا في العبادة . وإنما قصدا أن الحرث كان سبب نجاة الولد كما يسمى الرجل نفسه عبد ضيفه كما قال حاتم الطائي : وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا * وما في إلا تلك من شيمة العبد وقال جماعة من المفسرين : إن الجاعل شركا فيما آتاهما هم جنس بني آدم كما وقع من المشركين منهم ولم يكن ذلك من آدم وحواء ، ويدل على هذا جمع الضمير في قوله ( فتعالى الله عما يشركون ) وذهب جماعة من المفسرين إلى أن معنى ( من نفس واحدة ) من هيئة واحدة وشكل واحد ( وجعل منها زوجها ) أي من جنسها ( فلما تغشاها ) يعني جنس الذكر جنس الأنثى ، وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية وتكون ضمائر التثنية راجعة إلى الجنسين . وقد قدمنا الإشارة إلى نحو هذا وذكرنا أنه خلاف الأولى لأمور منها ( وجعل منها زوجها ) بأن هذا إنما هو لحواء ، ومنها ( دعوا الله ربهما ) فإن كل مولود يولد بين الجنسين لا يكون منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء . وقد قرأ أهل المدينة وعاصم " شركا " على التوحيد ، وقرأ أبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع . وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى ، وأجيب عنه بأنها صحيحة على حذف المضاف : أي جعلا له ذا شرك ، أو ذوي شرك ، والاستفهام في ( أيشركون ما لا يخلق شيئا ) للتقريع والتوبيخ : أي كيف يجعلون لله شريكا لا يخلق شيئا ولا يقدر على نفع لهم ولا دفع عنهم . قوله ( وهم يخلقون ) عطف على ( مالا يخلق ) والضمير راجع إلى الشركاء الذين لا يخلقون شيئا : أي وهؤلاء الذين جعلوهم شركاء من الأصنام أو الشياطين مخلوقون ، وجمعهم جمع العقلاء لاعتقاد من جعلهم شركاء أنهم كذلك ( ولا يستطيعون لهم ) أي لمن جعلهم شركاء ( نصرا ) إن طلبه منهم ( ولا أنفسهم ينصرون ) إن حصل عليهم شئ من جهة غيرهم ، ومن عجز عن نصر نفسه فهو عن نصر غيره أعجز . وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : قال حمل بن أبي قيس وشمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا كما تقول فإنا نعلم ما هي ؟ فأنزل الله ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى ) إلى قوله ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ( أيان مرساها ) أي متى قيامها ؟ ( قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها إلا هو ) قال : قالت قريش يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة ؟ قال ( يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ) وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول " تهيج الساعة بالناس والرجل يسقى على ماشيته ، والرجل يصلح حوضه . والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، والرجل يقيم سلعته في السوق قضاء الله لا تأتيكم إلا بغتة " . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( أيان مرساها ) قال : منتهاها . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ( لا يجليها لوقتها إلا هو ) يقول : لا يأتي بها إلا الله . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : هو يجليها لوقتها لا يعلم ذلك إلا الله . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( ثقلت في السماوات والأرض ) قال : ليس شئ من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( ثقلت في السماوات والأرض ) قال : ثقل علمها على أهل السماوات والأرض يقول كبرت عليهم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله ( ثقلت في السماوات والأرض ) قال : إذا جاءت انشقت السماء ، وانتثرت النجوم . وكورت الشمس ، وسيرت الجبال ، وما يصيب الأرض ، وكان ما قال الله سبحانه فذلك ثقلها فيهما . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( لا تأتيكم إلا بغتة ) قال : فجأة آمنين . وأخرج ابن أبي شيبة